الشنقيطي

114

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أحدهما - أنها في الذين سبق لهم في علم اللّه أنهم أشقياء ، عياذا باللّه تعالى . والثاني - أن المراد أنهم كذلك ما داموا متلبسين بالكفر . فإن هداهم اللّه إلى الإيمان وأنابوا زال ذلك المانع ، والأول أظهر والعلم عند اللّه تعالى ؛ والفاء في قوله : فَلَنْ يَهْتَدُوا لأن الفعل الذي بعد « لن » لا يصلح أن يكون شرطا ل « إن » ونحوها . والجزاء إذا لم يكن صالحا « لأن » يكون شرطا ل « إن » ونحوها - لزم اقترانه بالفاء ؛ كما عقده في الخلاصة بقوله : واقرن بفاحتما جوابا لو جعل * شرطا لأن أو غيرها لم ينجعل وقوله في هذه الآية الكريمة « إذا » جزاء وجواب ؛ فدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، بمعنى أنهم جعلوا ما جيب أن يكون سببا للاهتداء سببا لانتفائه ؛ لأن المعنى : فلن يهتدوا إذا دعوتهم - ذكر هذا المعنى الزمخشري ، وتبعه أبو حيان في البحر . وهذا المعنى قد غلطا فيه ، وغلط فيه خلق لا يحصى كثرة من البلاغيين وغيرهم . وإيضاح ذلك - أن الزمخشري هنا وأبا حيان ظنا أن قوله : وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً شرط وجزاء ، وأن الجزاء مرتب على الشرط كترتيب الجزاء على ما هو شرط فيه ؛ ولذا ظنا أن الجزاء الذي هو عدم الاهتداء المعبر عنه في الآية بقوله : فَلَنْ يَهْتَدُوا مرتب على الشرط الذي هو دعاؤه إياهم المعبر عنه في الآية بقوله : وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى المشار إليه أيضا بقوله « إذا » فصار دعاؤه إياهم سبب انتفاء اهتدائهم وهذا غلط ؛ لأن هذه القضية الشرطية في هذه الآية الكريمة ليست شرطية لزومية ، حتى يكون بين شرطها وجزائها ارتباط ، بل هي شرطية اتفاقية ، والشرطية الاتفاقية لا ارتباط أصلا بين طرفيها ، فليس أحدهما سببا في الآخر ، ولا ملزوما له ، كما لو قلت : إن كان الإنسان ناطقا فالفرس صاهل - فلا ربط بين الطرفين ، لأن الجزاء في الاتفاقية له سبب آخر غير مذكور ، كقولك : لو لم يخف اللّه لم يعصه ، لأن سبب انتفاء العصيان ليس هو عدم الخوف الذي هو الشرط ، بل هو شيء آخر غير مذكور ، وهو تعظيم اللّه جل وعلا ، ومحبته المانعة من معصيته . وكذلك قوله هنا : فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ( 57 ) سببه الحقيقي غير مذكور معه فليس هو قوله « وإن تدعهم » كما ظنه الزمخشري وأبو حيان وغيرهما . بل سببه هو إرادة اللّه جل وعلا انتفاء اهتدائهم على وفق ما سبق في علمه أزلا . ونظير هذه الآية الكريمة في عدم الارتباط بين طرفي الشرطية قوله تعالى : قُلْ لَوْ كُنْتُمْ